ميلادُ زهرةِ الأَبَنُوسْ

 

الليلُ قد انتصف، وخيوط المطر تتلوّى على زجاج النافذة،  موسيقى كسلى...

وابريق شاي على المدفئة يغلي...

 ساعة عقارب كبيرة معلَّقةٌ على جيد الحائط، في كل ثانية تهمس بشيء ما...

أظنها كلمة عتاب، وربما توبيخ، في كل ثانية أتألم وأضجر، وأعرف أن زهرة الأبنوس قد تأخرت كثيراً..

هم قالوا لي: "انّ الأرضَ حُبْلى بزهرة الأبنوس، فحتماً سوف تخرج من ترابها في يوم قريب.. قريبٍ جداً".

مرت الايامُ، ولا تزال الغيومُ عاقدةً حاجبيها، ولا تزال الشمسُ في بلادٍ أخرى بعيدة،

 كرةً، يلعبُ بها الأطفال.عقارب الساعة تُربكني، ونار المدفئة قد تعبتْ،

 والليلُ حلَّ ضيفاً ثقيلاً لا يبارح الدار... وأنا.. وأنا ما زلت أنتظر...

قالو لي: "إنّ الأرضَ حبلى بزهرة الأبنوس.. فحتماً سوف تنجبها في يوم قريب.. قريبٍ جداً".

وأنا أصدّقُ كل ما قالوا، وأنتظر.. ميلادَ زهرة الأبنوس.

يا الله كم اشتقتُ زهرةَ الأبنوس، وكم طال غيابها!  هكذا ذكراها كما الموسيقى الكسلى؛

 تمشي ببطء وتقتل ببطء... هكذا ذكراها.. خريفٌ صامتٌ ووجهٌ شاحب.

لقد كانت جميلة في كل شيء، رائعة في كل شيء، عميقةٌ مثلُ البحر، شهيةٌ مثل حبة التوت،

 حادة المزاج كما القهوة، صادقةٌ كالعيون، هادئة كالثلج دافئة كالجمر، وأنيقةٌ مثل القصيدة.

انقضت السنين ومرَّ ألف عام وعام، شاب شعري وانحنى ظهري، وارتجفت شفتاي،

 ولا زلت عاكفا في غرفتي.. أنتظر.. ميلاد زهرة الابنوس.

ولا يزال الليلُ يغطي الأرض بعباءته، ولا يزال المطر يتذمّرُ على زجاج النافذة،

 وعيوني النعسى تكاد تنكمش، وأحلامي الدوخى تكاد تنحب... فبكيتُ وأثنيت وصرختُ وولولت،

وكسرت الباب وخرجت... نظرتُ فوقي كي أرى  ترتيل المطر على أكتافي

كي أسمعَ ضجة الماء تحت أقدامي،

كي أنظر في عيون الغيوم وأسألها: لماذا؟ ألا تكفّي؟!

فوجدتُ الشمس تضحك، والسماءَ فيروزيةً نقية، والنسماتِ أنعمَ من ملمس الحرير،

 والزهورُ تلوَ الزهور، وقطعان الماعز البريّ والغزالات البرية ترنو، وفراشاتٌ ملءَ الأرض تطير،

 وعطرٌ وندى، وهديلٌ وحَمَامٌ، وماءٌ رقراقُ، وعصافيرُ في أعشاشها تذوب...

لقد مرَّ ألفُ عامٍ وعام، وألف ربيع وربيع، وألفُ ميلادٍ وميلاد..

 وفي كلّ مرة كانوا هنا أمام بيتي، يُمسكون المعاول والفؤوس ويقطعون بها زهرة الابنوس ثمّ يقولون لي:

"حتما... إنّ الأرض حبلى بزهرة الأبنوس، فانتظر الميلاد...".

رجعتُ الى غرفتي، وأشعلت المدفأة... وعلى الموسيقى الكسلى ذاتها وعلى  دقات الساعة نفسها،

 نمت نومتي الأبدية... ولازلتُ أنتظر ميلاد زهرة الأبنوس.

عبدالمجيد عبابنة

هندسة صناعية/خامسة

Version: 3.0
Created at 3/24/2011 19:00 by روان يوسف المدهون
Last modified at 3/24/2011 19:16 by System Account