|
أراها بباب العِمارةِ كلَ يومٍ، يترقرقُ الدمعُ في عينيها، وهناكَ في صوتِها غصةٌ تمنعها من البكاء، فتاةٌ بعمرِ الزهور، لم تتجاوز الثانيةَ عشرةَ من العمرِ، كانت تنظرُ بشغفٍ إلى الطابق الثاني، وتبقى على هذهِ الحال مدةَ خمس دقائق ثمَ تغادر.
صرتُ كلما أراها ينتابني شعورٌ غريب لم أستطع أن أفهمه، وتراودني أسئلةٌ كثيرةٌ تمنيت – لو أستطيعُ – الاجابةَ عليها. لقدْ جفا عينيَ النومُ من شدةِ تفكيري بها، وبتصرفاتها الغريبة، لم أهنأ بطعامٍ أو شرابٍ منذُ اللحظةِ التي رأيتها فيها.
وفي أحدِ الأيام، وبينما كانت تتأملُ العِمارة ، اقتربتُ منها بدافعِ الفضول ، ثمَ سألتُها : لماذا تبدينَ حزينةً ؟ عندها التفتت اليَ بسرعةٍ وأخذت ترمقني بنظراتٍ غامضةٍ، ثمَ لاذت بالفرار.
صعِدتُ إلى منزلي، واستلقيتُ على الأريكةِ غارقاً في التفكير، لعلي أجد تفسيراً لما تفعلهُ هذه الفتاةُ الصغيرة، ولكن...... للأسف جميع الأبواب أُغلقت في طريقي.
قفزتُ من على الأريكةِ ، ثمَ توجهتُ إلى حارِس العِمارَة ، وسألتهُ : من يسكن الطابق الثاني ؟ وما قصته ؟ - فأجابني أنَ أسرةً كانت تسكنهُ في السابقِ ولكنها رحلت لأسبابٍ يجهلها لأنهُ حارسٌ جديد. بعد ذلك توجهتُ إلى سكان العِمارَة بيتاً بيتاً، وكنتُ في كل مرةٍ أسألهم السؤالَ ذاتهُ، لكن للأسف لم أسمع الجوابَ الشافي، لأن العِمارَة كانت قد استقبلت مستأجرين جدد في الفترة الأخيرة. عندئذٍ قلتُ في قرارةِ نفسي : لم تبقَ أمامي سوى طريقةٍ واحدة.
في صباح اليومِ التالي، خرجتُ إلى الشرفةِ انتظرُ قدومَ الفتاةِ ، وبعدَ سويعات.... حضرت الفتاة ، وكالعادةِ كانت تتأملُ العِمارَة.
في صباح اليومِ التالي، خرجتُ إلى الشرفةِ انتظرُ قدومَ الفتاةِ ، وبعدَ سويعات.... حضرت الفتاة ، وكالعادةِ كانت تتأملُ العِمارَة. أسرعتُ في النزولِ إلى الشارعِ، اقتربتُ منها وأشعرتها بأني لا أريدُ ايذائها أو إزعاجها.
سألتُها : لماذا أنتِ على هذهِ الحال؟ ولكنها قابلتني بالصمت ولم تجب على سؤالي ، ثم كررتُ السؤالَ مرةً أخرى ، فأجابت بصوتٍ مختنقٍ يتخللهُ بكاءٌ : إنها قصةٌ طويلةٌ...
شعرتُ أنها في حاجةٍ إلى شخصٍ تتحدثُ معهُ، وتبثَهُ أحزانَها، فاقترحتُ عليها بأن نذهبَ إلى المتنزَّه المجاور الذي يفصلنا عنهُ شارعٌ رئيسيّ لتخبرني بمشكلتها. نظرت اليَّ قليلاً... ثم وافقتني الرأي، فذهبنا على الفور.
جلست على المقعدِ والدموعُ تنهمرُ من عينيها البريئتين كالشآبيب ، ثم قالت: كنَّا أسرةً هانئةً مطمئنةً ، إلى أن جاءَ ذلك اليوم ، ذلك اليوم الأسود ، الذي فرَّق شملَ العائِلةِ وجعل كلَّ فردٍ فيها في مكانٍ بعيدٍ عن الآخر.
سكتت برهةً، ثُمَّ تابعت قائِلةً: خرجتُ وأسرتي المكونة من أبي و أمي و أخي الصغير في رحلةٍ إلى "البحر الميّت"، ويا لها من رحلةِ وداعٍ جميلةٍ ومحزنةٍ في آنٍ واحد!!
لم نكن نعلم أنَّه سيكونُ آخرَ يومٍ لنا ، لم نكن نعلم أنَّها رحلةُ وداعٍ لا استمتاع، لم نكن نعلم..... لم نكن نعلم..... أقسمُ أنَّنا لم نكن نعلم.....
ثمَّ أصابتها حالةٌ من الهستيريا وبدأت بالصراخ ، كنتُ أنظرُ اليها وقلبي ينفطرُ حزناً على حالها. وبعد هنيهةٍ... توقفت عن الصراخ، وبدأت تكملُ القصةَ قائِلةً:
بعدَ أن استنفذنا وقتنا في "البحر الميِّت" توجَّهنا إلى العاصمة للذهاب إلى "مدينة الألعاب" وفي أثناء الطريق حصلَ ما لم تُحمد عقباه.
كان هناك شابٌ متهوِّرٌ يقود سيارتهُ بسرعةٍ جنونيةٍ تصل إلى مئةٍ وثمانين كيلو متراً في الساعة (180كم/ساعة) ، حاول هذا الشابُ أن يبديَ مهارتهُ في القيادةِ ، فأخذ يؤرجح السيَّارة يمنةً ويسرةً إلى أن اصطدم بسيارتنا. تصاعدت أصواتُ النحيبِ والصراخِ عند حصولِ الحادثِ الأليم، تجمعت سيَّارات الشرطة و الإسعاف في منطقةِ الحادث، وعمل رجالُ الإنقاذِ على انتشالي و أسرتي من بين الركام.
بعد أن أفقتُ من غيبوبتي التي دامت يومان ، سألتُ عن أسرتي فلم يجبني أحدٌ بصدقٍ و صراحةٍ ، وفي كل مرةٍ كانوا يقولون لي أنَّ أسرتي لن تستطيعَ الحضورَ اليومَ و سوف تأتي غداً ، رغم أنَّني كنت أشعر أنَّ هناك شيئاً غيرَ طبيعيّ يحدثُ من حولي.
وبعد أن أصبحتُ بكاملِ عافيتي ، أخبروني أنَّ الطبيبَ يريدُ مقابلتي ، فذهبتُ إلى مكتبه وتكلمنا طويلاً ، ثُمَّ طلبَ منِّي أن أتحلى بالشجاعة و أنَّ الحياةَ زائلَة ولا يجب الاستسلام لها بسهولةٍ ، عرفتُ أنَّ لكلامهِ مغزىً ما ، ثمَّ ما لبثَ أن اخبرني أنَّ والديَّ قد توفيا إثرَ الحادث ، لكنَّ أخي الصغير ما زالَ على قيدِ الحياة ، إلاَّ أنَّهُ قد أُصيبَ بالشلل بسبب كسرٍ في عمودهِ الفِقريّ. في تلكَ اللحظةِ شعرتُ أنَّ النيرانَ تأكلني أكلاً ، ومرَّت في ذاكرتي صور الحادثِ سريعاً ، وتذكّرتُ كيفَ أنَّ أمِّي حاولت حمايتنا أنا و أخي بجسدها ، عندها شعرتُ بألمٍ نفسيٍّ عميق.
قالت وهي تذرفُ دموع الندم والحسرة :بدأت رحلتنا من المنزل ولكنَّها للأَسف الشديد لم تنتهِ اليه ، لم تنتهِ إلى المنزلِ الدافىء الحنون الذي يلمُّ شملَ العائِلة ، بل انتهت إلى القبورِ والمستشفيات.
بعد خروجي من المستشفى أُرسلتُ إلى احدى دورِ رعاية الأيتام ، و أٌرسِلَ أخي إلى مستشفى لذوي الاحتياجات الخاصَّة ، ففيهِ يقدِّمون لهُ الرعايةَ اللازمة.
ومنذُ ذلكَ اليوم ، و أنا آتي أنظرُ إلى المنزل الذي كنَّا نعيشُ فيهِ كأسرةٍ سعيدةٍ ، يحسدُها كلُّ من يراها، علًّ ذلكَ يعيدُ اليَّ شيئَاً من الذكرياتِ الحلوة التي لن أنساها ابداً ما حييت.
ثُمَّ نهضت من على المقعد وغادرت المكان ، لم تقل إلى اللقاء بل قالت وداعاً بصوتٍ ملؤهُ الحزنُ و الأسى ، وكأنَّها كانت تعلمُ ما سيصيبها بعدَ قليل و أنَّها لن تعودَ ابداً.
منار "محمد علي" طعمة عتوم
هندسة صناعية / سنة ثالثة
|